2026
2026-03-12
في ١٥ يونيو ٢٠٢١، وقّع رئيسا تركيا وأذربيجان "إعلان شوشي بشأن العلاقات التحالفية بين جمهوريتي أذربيجان وتركيا". وعقب التوقيع، عقد الرئيسان مؤتمراً صحفياً مشتركاً. وأكد أردوغان، مجدداً، على أهمية التعاون الإقليمي من أجل السلام، مقترح الجانب التركي بإنشاء منصة سداسية لإرساء السلام في المنطقة. من جانبه، سلّط علييف الضوء على نقطتين من الإعلان، تتعلقان بالمساعدة العسكرية المتبادلة و"ممر زانغزور". وكان الرئيس الأذربيجاني يشير على الأرجح إلى الفقرة التالية من الإعلان:
إذا رأى أي من الطرفين أن استقلاله أو سيادته أو سلامة أراضيه أو حرمة حدوده المعترف بها دولياً أو أمنه مهدد أو معرض لهجوم من دولة أو دول ثالثة، فعليهما إجراء مشاورات مشتركة واتخاذ مبادرات لإزالة هذا التهديد أو الهجوم وفقاً لمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وتقديم المساعدة اللازمة لبعضهما البعض وفقاً لميثاق الأمم المتحدة. ويُحدد نطاق هذه المساعدة وشكلها من خلال مناقشات فورية، ويُتخذ قرار لتلبية الاحتياجات الدفاعية للتدابير المشتركة، وتُنسق أنشطة هياكل السلطة والإدارة في القوات المسلحة.
منذ ٢٨ فبراير ٢٠٢٦، شنت إسرائيل والولايات المتحدة عمليات عسكرية واسعة النطاق ضد إيران. وردّت الأخيرة بدورها باستهداف القواعد الأمريكية والإسرائيلية في دول المنطقة. وللولايات المتحدة أيضاً وجود عسكري في تركيا، إلا أن سلوك أنقرة المحايد ظاهرياً يوحي بأنها لم تُقدّم أراضيها لشنّ هجوم على إيران، ولن تفعل ذلك في المستقبل القريب. والسبب، على الأرجح، هو العواقب المحتملة للانخراط في حرب ضد إيران، ولا سيما تنشيط الحركة الكردية في حال تدمير إيران، والتقدم في عملية إنشاء دولة كردية، بما في ذلك على حساب الأراضي التركية.
لهذا السبب، يُشدّد الجانب التركي باستمرار على عدم مشاركته في العمليات ضد إيران، وينفي سريعاً الشائعات حول سقوط صواريخ إيرانية على أراضيه، ويعتبر ما يتم رصده منها "خطأً". مع ذلك، يُمكن لإسرائيل بذكاء أن تستغل حليفها المهم، أذربيجان، لإقحام تركيا في حرب ضد إيران.
في الخامس من مارس، أعلنت وسائل الإعلام والمصادر الرسمية الأذربيجانية أن طائرات إيرانية مسيّرة استهدفت مطار ناخيتشيفان والبنية التحتية المجاورة، ما أسفر عن إصابات. سارع الجانب الإيراني إلى نفي أي تورط له في الهجوم، لكن أذربيجان اتهمت إيران مرارًا وتكرارًا بالهجوم على أعلى مستوى، بل وصفته بالهجوم الإرهابي. وطالبت باكو القوات المسلحة الإيرانية بالاعتذار عن الحادث ومعاقبة المسؤولين عنه. علاوة على ذلك، أفادت التقارير أن باكو حشدت قوات على الحدود مع إيران.
ورغم تأكيدات علييف بأن أذربيجان لا تشارك في أي عمليات عسكرية ضد إيران، فقد وجّه العديد من المسؤولين العسكريين والسياسيين الإيرانيين تحذيرات إلى باكو. وعلى وجه الخصوص، صرّح الرئيس مسعود بيزشكيان بأن إيران لا تسعى إلى الصدام مع جيرانها، لكنها سترد بشدة على أي دولة تدعم أي هجوم ضدها. كما أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية بيانًا مماثلاً، مؤكدةً أن القوات المسلحة الإيرانية تستهدف فقط الوجود العسكري الأمريكي والإسرائيلي، وليس جيرانها.
في ٨ مارس ٢٠٢٦، وجّهت طهران تحذيراً مباشراً لباكو لمنع انتشار عدم الاستقرار في المنطقة. ودعا المتحدث باسم القيادة المركزية للقوات المسلحة الإيرانية باكو إلى طرد الصهاينة من أذربيجان. وأُشير إلى أنه على الرغم من العدوان الذي تشنّه الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة، فإن القوات المسلحة الإيرانية تبذل قصارى جهدها لتجنب إلحاق أي ضرر بالأمن القومي ومصالح الدول الصديقة والجوار والإسلامية.
يشير هذا التصريح الموجّه إلى أن إيران، بغض النظر عما إذا كانت الضربات الجوية باتجاه ناخيتشيفان قد صدرت فعلاً من طهران أم لا، على دراية تامة بمشاركة أذربيجان في العمليات ضدها. وبناءً على ذلك، إذا كان الجيش الإيراني هو من نظّم الهجوم بطائرة مسيّرة على ناخيتشيفان، فيمكن اعتبار ذلك بمثابة تحذير. ورغم أن الرئيس الإيراني نفى أيضاً تورط إيران في الهجوم بطائرة مسيّرة على ناخيتشيفان خلال مكالمة هاتفية مع علييف، فإن باكو تستغل الحادثة أيضاً ضد تركيا.
تؤكد الاتصالات بين باكو وأنقرة، التي جرت على خلفية أنباء غارات الطائرات المسيّرة في منطقة ناخيتشيفان، أن أذربيجان تسعى إلى تضخيم الحادثة. بل قد تكون أنقرة متخوفة من أن تلجأ باكو، استجابةً للنوايا الإسرائيلية، إلى إعلان شوشي للمطالبة بالدعم اللازم من تركيا. وبهذه الخطوة السياسية البارعة، يستطيع عدوا إسرائيل، تركيا وإيران، الدخول في حرب ضد بعضهما البعض بـ"الدعم الخفيف" من أذربيجان.
وبالنظر إلى الأحداث التي أعقبت حادثة ناخيتشيفان واستمرار اتهامات باكو لإيران، يتضح أن أذربيجان تواصل تصعيد الموقف المعادي لإيران. إيران هي الأدرى بالتحركات الإسرائيلية ضدها من الأراضي الأذربيجانية، ومطالبة طهران الشديدة بـ"طرد الصهاينة من الأراضي الأذربيجانية" ليست من قبيل الصدفة.
يُفترض أن أذربيجان، بتحريض من إسرائيل أو ربما لمصلحتها الخاصة، ستواصل استفزاز إيران لمهاجمة أراضيها. ونتيجة لذلك، ستجر تركيا إلى الحرب بتنفيذ إعلان شوشة. وإلا، ستُجرّد تركيا من سلطتها، مع ما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة لا تقل خطورة على تركيا نفسها. ويبدو أن توقيع أردوغان على إعلان شوشة عام ٢٠٢١ بمثابة لغم أرضي تحت تركيا، وبهذا، تكون أذربيجان "الشقيقة" قد نصبت فخاً لتركيا، ويمكنها التهديد بتفعيله في أي لحظة.