2026

الأسباب الرسمية والحقيقية لإغلاق المؤسسات الدولية في أذربيجان

2025-06-06

بعد حرب ٢٠٢٠، ولا سيما بعد تهجير سكان آرتساخ في سبتمبر ٢٠٢٣، بدأت أذربيجان في تقديم نفسها للعالم من موقع المنتصر، ووادّعت حقها في "إلقاء دروس" في حل النزاعات.

سرعان ما شرعت إدارة إلهام علييف في إغلاق مكاتب المنظمات الدولية العاملة في أذربيجان، مبررة ذلك بضرورة "حماية البلاد من التهديدات الخارجية". وقد حظرت السلطات الأذربيجانية، المعروفة بانتهاكاتها لحقوق الإنسان وقمعها للإعلام، أنشطة عدد من المنظمات الدولية ووسائل الإعلام في أذربيجان بين عامي ٢٠٢٣ و٢٠٢٥.

أُغلِقَ أو هي مُعرَّضة للإغلاق، فرع الأذربيجانية لـ"منظمة الشفافية الدولية" (ترانسبرنسي إنترناشنل)، منظمة "ترانسبرنسي أذربيجان" غير الحكومية لمكافحة الفساد، وبرنامج "إيراسموس+"، أكبر برنامج للتبادل التعليمي في الاتحاد الأوروبي، ومكاتب أخرى لمؤسسات مرموقة. كما سحبت السلطات الأذربيجانية اعتماد مراسلي "بي بي سي نيوز"، و"سبوتنيك"، و"بلومبيرغ"، و"صوت أمريكا".

نتيجةً لمراجعة أولويات التعاون مع الأمم المتحدة، واتهامات التحيز في قضية آرتساخ، أعلنت أذربيجان عزمها إغلاق أربعة مكاتب تمثيلية تابعة لهذه المنظمة: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، وصندوق الأمم المتحدة للأطفال (اليونيسف)، ومفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين. وبررت سلطات باكو هذا القرار بأن "تحرير الأراضي الأذربيجانية، والعملية العسكرية لمكافحة الإرهاب"، والتقدم الذي أحرزته أذربيجان في السنوات الأخيرة، مكّنها من الاعتماد على مواردها وقدراتها الذاتية في تنفيذ المشاريع الاجتماعية. كما أكدت السلطات أن أذربيجان نفسها تقدم خدماتها المانحة للعديد من الدول.

أقرّ المسؤولون الأذربيجانيون بأن برامج الأمم المتحدة في السنوات الأولى للاستقلال ساهمت في التنمية المؤسسية للبلاد، وأشاروا إلى أن بإمكان الأمم المتحدة توجيه هذه الموارد إلى مناطق الأزمات والدول الأكثر احتياجاً. وشددوا على أن باكو ليست بحاجة إلى مساعدة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إذ يمكنها إعادة مواطنيها إلى "الأراضي المحررة" بمواردها الخاصة.

أعلنت باكو رسمياً، على وجه الخصوص، أن أذربيجان ستواصل شراكتها مع مقر المنظمة وهياكلها المختلفة في إطار التعاون في المشاريع. وسيستمر هذا التعاون في إطار أجندة التنمية المستدامة، وكذلك مع برامج المستوطنات البشرية والبيئة، وأمانة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، وغيرها من الهياكل. وفي عام ٢٠٢٦، ستستضيف أذربيجان المنتدى السياسي العالمي الذي أنشأته الأمم المتحدة.

في الواقع، لم "تسامح" باكو رفض مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين زيارة قرية تاليش (طليش) في آرتساخ عام ٢٠٢١، رغم إصرار الجانب الأذربيجاني. وتصاعد التوتر مع مكتب الأمم المتحدة الإنمائي، الذي يعمل في أذربيجان كمنظمة غير حكومية، بعد رفض ممثل البرنامج المشاركة في المؤتمر الدولي الذي عُقد في شوشي في ٢٧ أغسطس ٢٠٢٢، والمخصص لمناقشة "العمل المنجز في مجال إعادة التأهيل والإعمار، وإزالة الألغام، وغيرها من القضايا الملحة في الأراضي المحررة من الاحتلال".

بحسب الجانب الأذربيجاني، بعد حرب عام ٢٠٢٠، صدرت تعليمات لوحدات الأمم المتحدة بعدم دخول إقليم ناغورنو كاراباخ السابق. إضافةً إلى ذلك، كُشفت انتهاكات جسيمة للقانون ومخالفات مالية في مكتب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أذربيجان عام ٢٠٢٥. ولوحظ أن المنح المقدمة لم تُسجل وفقًا لقانون المنح الأذربيجاني، وصُنفت كأموال غير مشروعة. كما أعرب الجانب الأذربيجاني عن قلقه بشأن محتوى الأنشطة التي يمولها البرنامج والمستفيدين منها. وأجرى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي معاملات مالية ليس مع منظمات غير حكومية، بل مع مؤسسات تجارية أنشأها أعضاؤها، أو متخصصين استعانوا بهم، أو أقاربهم. وأُكد أن المنظمة لم تقدم بيانات عن ٢٣ منظمة غير حكومية تلقت منحًا لـ ٢٩ مشروعًا في عام ٢٠٢٣.

أبلغت باكو أيضاً المكتب المحلي للجنة الدولية للصليب الأحمر بنيتها إغلاقه، التي كانت تعمل هناك من عام ١٩٩٢، مُعللة ذلك بعدم الحاجة إلى أنشطته وعدم جدواها. وقد نشأت خلافات بين أذربيجان والصليب الأحمر في أوائل عام ٢٠٢٠، عندما تم افتتاح مكتب في آرتساخ دون موافقة باكو، ورُفض طلب أذربيجان بإغلاق مكتب يريفان في ستيباناكيرت.

ادّعى الجانب الأذربيجاني لاحقاً، بشكل دوري، أن الصليب الأحمر كان يمارس التهريب تحت ستار مهمة إنسانية، ناقلاً أنواعاً مختلفة من البضائع إلى آرتساخ عبر معبر لاتشين الحدودي. بل إن باكو فتحت قضية جنائية، متهمة موظفين في اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالتجسس لصالح أرمينيا وكشف أعمال الجيش الأذربيجاني.

لكن في الواقع، الجانب الأذربيجاني هو من يعرقل أنشطة هذه المنظمة الإنسانية في آرتساخ، ويسعى أيضاً إلى تجريد الصليب الأحمر من صلاحياته في التعامل مع قضايا أسرى الحرب والرهائن الأرمن المحتجزين في باكو. تجدر الإشارة إلى أن الصليب الأحمر هو المنظمة الدولية المستقلة الوحيدة التي تزور الأرمن المحتجزين في باكو بشكل دوري، وتتيح لهم فرصة التواصل مع عائلاتهم.

في مطلع العام، وبعد انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، أبلغت باكو الجانب الأمريكي بإنهاء أنشطة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية على أراضيها. وكان وزير الخارجية الأذربيجاني قد صرّح سابقًا بأن المنظمة الأمريكية لا تملك أي أساس قانوني للعمل في أذربيجان. واشتكت باكو من أن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية تروج لمصالحها الخاصة في أذربيجان، معتبرةً أنه لا يمكن استئناف التعاون معها إلا بتغيير قيادتها، وقبولها لمطالب باكو بشأن عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأذربيجان، واستقلالها، وسيادتها، وسلامة أراضيها، واحترامها للقانون الدولي.

في ديسمبر ٢٠٢٤، وعلى إثر تحطم طائرة أذربيجانية في كازاخستان التي كانت متجهة من باكو إلى غروزني، وسط تصاعد التوتر في العلاقات بين موسكو وباكو، تم تعليق أنشطة وكالة "روسوترودنيتشيستفو" بناءً على طلب الجانب الأذربيجاني. ووفقًا للمعلومات الرسمية، صُنف عمل هذه المؤسسة، المعروفة باسم "البيت الروسي"، على غرار المنظمات الغربية، ضمن أنشطة "الاستخبارات"، واعتُبر طلب إغلاقها "خطوة تهدف إلى حماية المصالح الوطنية". كما مُنع عمل وكالة "روسيا سيغودنيا"، التي تُشغِّل وكالتي أنباء "سبوتنيك" و"ريا نوفوستي"، على الأراضي الأذربيجانية.

على غرار الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، تم تصوير الهياكل الروسية على أنها منظمات تتبنى سياسة "القوة الناعمة" وتمارس التجسس. ومع ذلك، يُعتقد أن هذا الأسلوب الذي اتبعته باكو في التعامل مع موسكو يهدف إلى التخفيف من حدة مزاعم السلوك العدواني لأذربيجان تجاه الهياكل الغربية. وقد برر الجانب الأذربيجاني إغلاق وسائل الإعلام الروسية والغربية بانتهاك "مبدأ المساواة"، مدعياً أنه لا يُسمح بالعمل في أذربيجان إلا لممثلي الدول التي لديها نفس عدد الموظفين في أذربيجان. وهكذا، سُمح لوكالة "سبوتنيك" الروسية بتعيين مراسل واحد، مع الأخذ في الاعتبار أن وكالة "أذرتاج" الأذربيجانية لديها موظف واحد فقط في موسكو.

أعلنت باكو أنه لا يُسمح بتلقي التمويل الأجنبي في أذربيجان إلا لمكاتب الدول أين تُجري فيها أذربيجان معاملات مالية في نفس المجالات.

وقد تكرر هذا السلوك من جانب السلطات الأذربيجانية تجاه وسائل الإعلام المحلية والأجنبية في وقت سابق. ورغم شكاوى المنظمات الدولية، لم يتغير الوضع في هذا الصدد. ونتيجة لذلك، شُبهت أذربيجان بكوريا الشمالية، نظرًا للقيود التي تفرضها إدارة علييف على شعبها ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات الأجنبية.

وبناءً على ذلك، فإن الملاحظات القائلة بأن أذربيجان، شأنها شأن الأنظمة الاستبدادية التي تسترشد بمبدأ البحث الدائم عن "المذنبين"، تتجه نحو العزلة، هي ملاحظات وجيهة. ففي ذلك البلد، تخضع الحياة الداخلية ومجال المعلومات والتدفقات المالية والعمليات المدنية لسيطرة كاملة. كل هذا لا يخدم سوى هدف واحد: منع تطلعات المعارضين والجهات الخارجية إلى تغيير السلطة أو إحداث ثورة في أذربيجان، وذلك بتقليص تواصل المجتمع الأذربيجاني مع العالم.

إشترك في قناتنا على