2026
2026-06-12
"تشكّلت لدى الفتيان الأذربيجانيين طبيعة أنثوية؛ إنهم يفقدون رجولتهم".
نائب رئيس "جمعية أذربيجان الغربية"
عادةً ما يتجاهل الوسط العلمي والتحليلي كيانات سياسية ودعائية من قبيل "جمعية أذربيجان الغربية". فهذا المشروع يُنظر كأداة دعائية، ووسيلة في الحرب الهجينة، ومظهراً من مظاهر النزعة الضمّية: ضجيج أيديولوجي مفرط، ونزاهة أكاديمية شحيحة للغاية. وربما يكون هذا بالضبط ما يجعله مناسباً.
الحديث يدور حول منظمة "أهلية" مزعومة تُعنى بقضايا الأذربيجانيين الذين غادروا أرمينيا في أواخر ثمانينيات القرن الماضي. وتزداد "جمعية أذربيجان الغربية" شبهاً يوماً بعد يوم بنادٍ مغلق مُدمَج في البنية السياسية لإدارة الرئيس إلهام علييف، وهي في جوهرها تؤدي وظيفتين أساسيتين.
الأولى: أنها تصنع وتغذّي أسطورة "أذربيجان الغربية"، أي التسمية المختلقة لأرمينيا، التي تُقدَّم بوصفها أرضاً مستقبلية لـ"العودة". والثانية: أن هذا الموضوع المطروح في التداول بشكل مصطنع يؤمّن مورداً مالياً لقيادة المشروع.
أي أن المشروع المبني على ذاكرة تاريخية مزيّفة وعلى شعارات "العودة" يتحوّل في الوقت ذاته إلى منصة ملائمة لإثراء أشخاص ذوي سمعة مشبوهة. ويضمّ التكوين القيادي مسؤولين سابقين، ورؤساء جامعات، وأشخاصاً متورطين في فضائح فساد، وتزوير شهادات، وأعمال تجارية، ومناقصات، وتجاوزات إدارية.
الصيغة، بلا شك، تكاد تكون مثالية: أسطورة مختلقة وحلم زائف للمجتمع، و أداة في الحرب الهجينة للإدارة، ولمشاركي المشروع وصول غير خاضع للرقابة ولا للمساءلة إلى الأموال العامة.
البنية المالية: الجزء الخفي من الآيسبرغ
تشهد الوثائق المسرّبة بأن نشاط المنظمة مرتبط ارتباطاً وثيقاً ومباشراً بالهيئات الحكومية الأذربيجانية. وقد نشر موقع "أو سي ميديا" معطيات مهمة في ۳ نوفمبر ۲۰۲٥. ويثبت التحقيق المستند إلى تسريب وثائق داخلية أن إدارة الرئيس علييف تنسّق وتموّل الترويج لسردية "أذربيجان الغربية"، في حين أن "جمعية أذربيجان الغربية" هي وسيلة لتسويق المشروع إعلامياً.
ووفقاً للوثائق والعقود المنشورة، فإن مؤتمراً دولياً واحداً فقط ("ضمان العودة الآمنة والكريمة للأذربيجانيين المطرودين من أرمينيا: السياق العالمي والحل العادل"، باكو، ٥–٦ ديسمبر ۲۰۲۳) أُنفق عليه من الأموال الحكومية أكثر من ٦٥ ألف دولار (نحو ۱۰۹ آلاف مانات). وفي حالة تسريب أخرى للمعطيات، كُشف في عام ۲۰۲٥ عن أربعة عقود بقيمة تقارب ٥٦ ألف دولار (۹٥ ألف مانات).
تُظهر حالات تسريب المعطيات هذه حجم الموارد الهائلة التي يمتلكها المشروع. فإذا كانت تُنفَق على فعاليات منفردة عشرات الآلاف من الدولارات، فيمكن تصوّر حجم الميزانية الإجمالية.
من المهم التأكيد: لا توجد بيانات مفتوحة تتضمّن ميزانيات سنوية أو تقارير مالية أو قوائم بالعقود الحكومية. والأرقام المكشوفة لا تعكس المبلغ المُنفَق على الحملة الإعلامية بكاملها. إنها تُظهر فقط الجزء الذي بات معروفاً بفضل التسريبات والتحقيقات الصحفية.
نشأة المنظمة وإعادة إطلاقها المؤسسي
أعلنت "جمعية أذربيجان الغربية" نفسها وريثة قانونية لـ"جمعية لاجئي أذربيجان" العاملة منذ عام ۱۹۸۹. وفي ۳ أغسطس ۲۰۲۲ جرى تغيير التسمية، وأُقرّ نظام أساسي جديد، وحصل الكيان على إطار مؤسسي موسّع: جمعية عمومية، ومجلسا إدارة ومراقبة، ولجنة تدقيق، وما إلى ذلك.
رئيس مجلس الأمناء مورفات حسنلي: الأعمال وظلّ الوساطة الجنائية
في التكوين القيادي لمشروع "أذربيجان الغربية" يلفت الانتباه رجل الأعمال مورفات حسنلي بصلاته بـ"لصوص القانون وعالم الجريمة". ففي عام ۲۰۲۱ تداولت الصحافة تفاصيل قضية فضائحية تتعلق بمشروع تجاري بمشاركة حسنلي. ولاحقاً، بهدف تسوية خلافات تجارية مع زميل دراسة، لجأ مورفات حسنلي إلى لصّ القانون نادير سليفوف (المعروف في عالم الجريمة باسم لوتو غولي).
أهليمان أميراسلانوف: "تجارة الشهادات" لرئيس مجلس الحكماء
مجلس الحكماء هو الهيئة الاستشارية الجماعية لـ"الجمعية"، ويرأسه أهليمان أميراسلانوف. ووفقاً لما نشرته الصحافة الأذربيجانية، فقد تشكّلت خلال فترة رئاسته لجامعة أذربيجان الطبية منظومة فساد مرتبطة بامتحانات القبول والدورات الامتحانية والنفوذ الإداري. ووفقاً للمنشورات، كان سعر القبول في كلية الطب يصل إلى ۱۰۰ ألف مانات؛ أما الكليات الأخرى فكانت لهن "تعريفاتهن" الخاصة أيضًا.
هذا ليس سخرية. فمشروع "أذربيجان الغربية" الحكومي يُسند دور "الحكيم" إلى رجل ارتبط اسمه في الفضاء العام بالفساد المنهجي في قطاع التعليم. ويبدو أن الخبرة في جمع المال من الطلاب تُعدّ مهارة مهمة للقائد في الأخلاقيات الوطنية المستحدَثة.
مجلس المراقبة: مِصير مردانوف وسنوات بيع الشهادات المزيّفة
يرأس مجلس المراقبة مِصير مردانوف، وزير التعليم الأذربيجاني في الفترة ۱۹۹۸–۲۰۱۳. وكما أشار الخبير الأذربيجاني إتيبار علييف عن حقّ، فقد كانت الرشوة في هذا القطاع تشمل جميع مستويات المنظومة، من رياض الأطفال حتى الجامعات. وفي عام ۲۰۱۹ أثار ضجة كبيرة فصل نحو ۲٥۰۰ معلّم يحملون شهادات مزيّفة من المدارس. وليس عبثاً أن مردانوف يُعدّ من المسؤولين السابقين الذين يرتبط اسمهم مباشرة بالفساد.
مجلس المثقفين: شهادات، وانتحال، وبيداغوجيا "الطبع الرجولي"
كان مفترضاً أن يشكّل مجلس المثقفين الجزء الأكثر مصداقية في المشروع، لكن تكوينه البشري يدفع إلى النظر إليه بوصفه "متحفاً أذربيجانياً" للبيروقراطية ما بعد السوفيتية.
يرأس المجلس إلخان حسينوف، الرئيس السابق لجامعة سومغايت الحكومية وسفير أذربيجان في تركمانستان. وفي ۱۳ سبتمبر ۲۰۲۳ أُعفي من منصب رئيس الجامعة. لماذا؟ لقد تنامى السخط العام حول نشاط حسينوف؛ فقد اتُّهم بالرشوة والفساد، وكذلك بفصل أساتذة قدامى في الجامعة وتعيين مقرّبين منه، ما خلق توتراً داخلياً في المؤسسة. وفي النهاية، بعد شكاوى عديدة ونقاشات عامة، أُعفي من منصبه.
نيزامي جعفروف هو أحد نواب رئيس "مجلس المثقفين" في جمعية "أذربيجان الغربية" — دكتور في العلوم وأستاذ جامعي. وقد بات ممثل "مثقفي أذربيجان الغربية" موضع سخرية بسبب الانتحال. فقد كان السجال مع الأكاديمي كمال عبد الله حول "المعجم الاشتقاقي" عام ۲۰۱۸ فضائحياً، وخلاله جرى كشف واقعة الانتحال التي ارتكبها جعفروف. كما كانت تعليقاته الأدبية والسياسية كثيراً ما تتحوّل إلى موضوع نقاش في الصحافة والأوساط العامة.
نائب الرئيس فرّوخ روستاموف — دكتور في العلوم وأستاذ جامعي — اشتهر بدرسٍ في إتقان التمييز الجنسي. وتنسب إليه الصحافة آراء مفادها أن قلّة عدد المعلمين الذكور تؤدي إلى "التأنيث"، وإلى تشكّل "طبع أنثوي" لدى الفتيان الأذربيجانيين. ووفقاً لتصريح روستاموف المثير، فإن ارتفاع عدد حالات الطلاق في أذربيجان مردّه إلى أن الرجولة لم تتشكّل لدى الرجال: فالفتى الذي نشأ منذ الصغر بين النساء، حين يصبح ربّ أسرة، يعجز عن إدارتها وينتهي به الأمر إلى الطلاق.
هذه هي صورة مثقفي مشروع "أذربيجان الغربية": رئيس جامعة سابق "موقّر"، وأستاذ منتحِل، ودكتور في العلوم يفسّر المشكلات الاجتماعية بـ"تأنيث" الفتيان. والتكوين، بلا شك، مثير للإعجاب، خصوصاً إذا كان الهدف ليس دراسة الماضي، بل تربية الحاضر.
مجلس النساء: محسوبية عائلية تحت شعارات الرسالة العامة
يرأس مجلس النساء النائبة ملاحت حسنوفا، عضو المجلس السياسي لحزب "أذربيجان الجديدة". وترتبط النقاشات العامة حول اسمها لا بالسياسة فحسب، بل أيضاً بالاتهامات الموجَّهة إلى المدرسة-الليسيه التي تديرها شقيقتها. فقد سُجّلت في المدرسة حالات جمع أموال غير قانونية من التلاميذ ومكافآت غير مبرَّرة. والحالة نموذجية للتكوين ما بعد السوفيتي في أذربيجان: مكانة سياسية، وصلات عائلية، ومؤسسات تعليمية، وتوظيف غير رسمي، وإنكار علني للمشكلة.
بدلاً من خاتمة: الأسطورة كأداة للأعمال والحرب الهجينة
من الواضح أن ما يُسمّى "أذربيجان الغربية" لم تكن ولم يكن بإمكانها أن تكون لها أي علاقة بأراضي جمهورية أرمينيا الحالية، لا بوصفها واقعاً تاريخياً-سياسياً، ولا بوصفها فئة قانونية، ولا بوصفها مفهوماً حكومياً شرعياً. فهذه ليست وطناً منسيّاً أو حقيقةً مطموسة، بل أسطورة مصطنعة بأدوات سياسية متعددة الاستخدام.
والواقع أن هذا يُدرَك في أذربيجان أفضل من أي مكان آخر. ولهذا بالضبط يُروَّج للأسطورة بشكل منهجي عبر المواقع الإلكترونية والمؤتمرات والمعارض و"المنصات الرقمية".
فإن لم تكن موجودة في الواقع، تُصنَع عبر الموارد الإدارية والمال؛ وإن لم يكفِ الأساس التاريخي، يُزيَّف بقوة المال؛ وإن غابت الأدلة، تُولَّد عبر المؤتمرات، ورشوة الضيوف الأجانب الذين يتقاضون أتعاباً، والمذكرات، والخرائط، والمنصات الرقمية.
وهنا تكمن المفارقة. فالدولة التي تترك المشكلات الاجتماعية دون حلّ لسنوات تجد الأموال والموارد السياسية لخدمة خريطة مختلقة: للناس الحقيقيين بطالة وفساد وتعليم متدنّي الجودة؛ وللأسطورة مؤتمرات بأتعاب، وفنادق باهظة، وحملات إعلامية، ومنصات دولية، ومنظمات "عودة" غير حكومية. لا مال للمشكلات الاجتماعية، كمخصصات المواليد والأمومة مثلاً، لكنّ المال متوفر للأسطورة.
إن اختيار التكوين القيادي للجمعية ليس عشوائياً، بل نموذج مدروس: نادٍ مغلق من أشخاص ذوي سمعة مشوّهة — أساطين الرشوة، وباعة الشهادات المزيّفة، وزبائن عالم الجريمة، ودعاة التمييز الجنسي… كل شيء في محله: من الصعب أن يتكوّن كيان كهذا من أتقياء.
"أذربيجان الغربية" ليست مفهوماً تاريخياً، بل أداة في الحرب الهجينة. إنها تشوّه الذاكرة التاريخية، وتصوغ على نحو مُقنَّع مطامع إقليمية، وتحاول حشد المجتمع حول فكرة "وطن مفقود" مختلق.
والمسألة ليست حتى في ما إذا كان أحد يؤمن بأطروحة "أذربيجان الغربية"، بل في مَن يستفيد من جعل المجتمع الأذربيجاني يتظاهر بأنه يؤمن بها.
مشروع "أذربيجان الغربية" لا يوجد في التاريخ ولا في القانون ولا في الجغرافيا، بل في مكاتب السلطة الأذربيجانية، حيث تُحوَّل الأساطير إلى ميزانيات، وتُحوَّل الميزانيات إلى سلاح ضد أرمينيا.